القائمة الرئيسية

الصفحات

اللهم عمش الحكومة ولا عمى المعارضة - صلاح مفيد

صلاح مفيد
يبدو حسب آخر استطلاع للرأي أن شعبية السيد عبد الإله بنكيران لم تتآكل بعد ثلاث سنوات قضاها على رأس الحكومة، رغم الحملات التي تشنها المعارضة للنيل من شعبيته. وبهذا ـ ربما ـ لن يلقى السيد رئيس الحكومة وحزبه المصير الذي عرفه السيد عبد الرحمن اليوسفي وحزب الاتحاد الاشتراكي، باعتبارهما حكومتا انتقال ديمقراطي، رغم اختلاف السياق والظروف التي عجلت بتولي كل منهما رئاسة الحكومة. 
ففي الأولى كانت "السكتة القلبية" هي التي دفعت إلى التوافق الذي أدى إلى تجربة الانتقال الديمقراطي الأولى، أما الثانية فإن الربيع العربي هو الذي عجل بولادة التجربة الحالية، إلا أن الكثيرين يرون أن المعطيات السياسية التي أحاطت بالتجربتين مختلفة، لأن السيد عبد الإله بنكيران يتوفر على صلاحيات واسعة يخولها له الدستور الجديدة تسمح له بتصريف مواقفه السياسية والإصلاحات التي وعد بها، في ما يتصل بمحاربة الفساد الذي ينخر الدولة ويجعل منها كيانا بلا روح، على عكس السيد عبد الرحمان اليوسفي الذي كان محروما من هذه الصلاحيات الدستورية. 
لكن هذا وحده لا يفسر النجاح الذي تعرفه التجربة الحالية، وهذه بعض المعطيات التي أجدها وجيهة لمساعدتنا على فهم "الإخفاق" الذي عرفته التجربة الأولى، و"نجاح" التجربة الحالية؟
في المعطى الذاتي: الاتحاد الاشتراكي دخل التجربة ولم يستطع أن يحافظ على تماسكه الداخلي، ولم يستطع أن يتجاوز التناقضات التي أفرزها الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع الحكم، وفي الأخير خرج الحزب من الحكومة بخسارة جزء من مناضليه وقاعدته الشعبية. 
في المقابل استطاع بنكيران أن يحافظ على تماسك الحزب وكذا المحافظة على حاضنته الاجتماعية. الأكيد أنه خسر جزءا منها، لكنه استقطب فئات أخرى خاصة من الطبقات الوسطى والشابة. وإذا استطاع الحزب أن يستمر في عملية التمايز بين الدعوي والسياسي، فبالتأكيد سيستطيع استقطاب الديمقراطيين الذين تهمهم بالأساس أولوية محاربة الفساد والاستبداد، على الأجندة الإيديولوجية للحزب الذي يقود الحكومة. 
في المعطى الموضوعي: الحكومتان عانتا من نفس العطب، متمثلا في ائتلاف حكومي هش وهجين، بالنظر إلى تشكله من أحزاب بإيديولوجيات مختلفة بل متناقضة. حكومة السيد عبد الرحمان اليوسفي تضمنت أعضاء مما كان يسمى بالأحزاب الإدارية وأعضاء من التقنقراط. 
نفس الشيء وقع مع حزب العدالة والتنمية. تحالف بألوان الطيف. وكما كانت نهاية تجربة السيد عبد الرحمن اليوسفي على يد حزب الاستقلال الذي طالب "بنوبته" خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2002، كادت تجربة حكومة عبد الإله بنكيران أن تعرف نفس المصير وعلى يد نفس الحزب حزب الاستقلال، بعد وصول حميد شباط لأمانته العامة. لكن مناورة حزب الاستقلال لم تنجح، بل أدت إلى بروز تحالف حكومي جديد أكثر انسجاما وتماسكا. 
في المعطى الداخلي: حكومة السيد عبد الرحمن اليوسفي كانت منتظرة، لأن الكثيرين كانوا يضعون عليها آمال عريضة، سيتحول معها المغرب من بلد يرزح تحت أزمة متعددة الأوجه إلى بلد صاعد. وربما فإن الحزب ذهب ضحية الدعاية التي كانت تروجها صحافته كثيرة الانتشار على عكس صحافة حزب العدالة والتنمية. 
الحكومة الحالية كان مرحبا بها من طرف الكثير من الشرائح الاجتماعية، باستثناء الحراك الشبابي لحركة 20 فبراير الذي اعتبرها التفافا على مطلب الإصلاح العميق للدولة المغربية. ثم لاحظنا بعض التململ أثناء تطبيق بعض الاصلاحات الاقتصادية خاصة الزيادات المتتالية في سعر المحروقات، ثم الرفع الكامل والنهائي للدعم وتعويضها بالمقايسة، إلا أن الظروف المواتية التي اندرج في إطارها هذا الإصلاح، مع التراجع الحاد لسعر البرميل في السوق العالمية، جعل هذا الإصلاح يصب في صالح الحكومة. 
في المعطى الخارجي: هناك فرق كبير بين التجربتين. فبينما تجربة السيد اليوسفي كان مرحبا بها بل كان يحتفى بها دوليا، فإن التجربة الحالية وبالنظر إلى سياقيا وجذورها السياسية باعتبارها تنتمي إلى الإسلام السياسي، فإنها لا تحظى بتعاطف دولي كبير مع بعض الاستثناءات، وستزداد عزلتها والضغوط الممارسة عليها بعد تهاوي الحكومات المنبثقة عن الربيع العربي التي تنتمي معظمها للتيارات الإسلامية.
هذه في نظري بعض المعطيات التي يمكنها فهم الوضع الذي توجد عليه الحكومة الحالية، أما الخلاصة، فهي أن تجربة العدالة والتنمية لحد الساعة على رأس الحكومة أبانت عن قدرة كبيرة على التحرك في مناطق ضيقة، والقدرة على تسجيل الأهداف في مرمى الفساد والريع.. لهذا فإنه من الواضح أن المواطنين سيستمرون في دعمها والتصويت لها، لأن العمل السياسي هو سلوك قبل أن يكون خطابات أو شعارات ترفع في المناسبات، وهو ما يظهر أن حزب العدالة والتنمية يحسنه، حيث حافظ على نظافة اليد والابتعاد عن الشبهات، والقرب من المواطنين البسطاء، وهذا ما يمكنه أن يعيد للمواطنين الثقة في السياسة وخاصة في السياسيين. وهذا هو الأهم لبناء المستقبل.

تعليقات

التنقل السريع