القائمة الرئيسية

الصفحات

عاطفة الزوجة الذكية تبني زواجا ناجحا


القلب مستودع الأسرار وقد وهب الله المرأة الخصائص العاطفية ما ميزها به عن الرجل وهياها للدور الذي يقوم به في الأسرة والمجتمع، وعندما يجتهد العلماء في الشرق والغرب ويخرجون عن العالم باكتشافاتهم التي تجلي أسرار النفس البشرية ، فعن هذه الإكتشافات تؤدي إلى تاكيد الأسس والقواعد الفطرية التي أرساها الإسلام في تنظيمه للمجتمع والعلاقات الإنسانية وآخر ما توصل إليه علماء النفس ، هو اكتشاف نوع جديد من الذكاء أطلقوا عليه الذكاء العاطفي  تميزا له عن الذكاء المنطقي المعروف، والمقصود بالذكاء العاطفي هو مجموعة من القدرات الانفعالية والعاطفية مثل القدرة على ضبط النفس والحماس والمثابرة والقدرة على حفز النفس والقدرة على التعاطف مع الآخرين ، وغير ذلك من المهارات الاجتماعية والكفاءات العاطفية التي تجعل صاحبها إنسانا محبوبا مرحا يلجأ إليه الآخرين عندما يحتاجون إلى التعاطف والمساندة، وقد اكتشف العلماء أن المرأة تتحلى بقدر أكبر من الذكاء العاطفي حين يتحلى الرجل بقدر أكبر من الذكاء المنطقي.

وهذا ما يتفق تماما مع الأدوار التي قدرها المولى عز وجل لكل منهما في الحياة . فالرجل خلق للسعي والاكتساب والصراع مع الحياة والذود عن الأسرة والدفاع عن الوطن وهي أعمال تتطلب تغليب النزعة العقلية والمهارات المنطقية على الجانب العاطفي .
أما المرأة فدورها الأساسي في صميم قلب الأسرة فهي تشع دفئا وحنان تقرأ وجه أحبائها دون أن يتكلموا، وتقدم لهم ما يحتاجون من عطف وعون ومساندة تغدي وجدان الأبناء منذ لحظة ميلادهم بالحب والحنان والعاطفة الذكية الموجه في اتجاه الصحيح وتكون للزوج الواحة التي يتفيأ ظلالها في هجير الصحراء ويتمتع فيها بما تعزفه من أغاريد الحنان الشجية على أغصان المحبة الوارفة المثقلة بالثمار الشهية والزهور الفواحة .
و-في بحث متميز قام به د جون جوتمان في معمل الابحاث الذي يديره -حول أسباب الخلافات الزوجية وسبل تجنبها وحلها، توصل لبعض نتائج الجديرة بالتأمل .يتحدث جون جوتمان أولا عن مشاكل السلوك الخاطئ الذي يفتقد إلى الذكاء العاطفي والذي من الممكن أن يؤدي إلى استحالة الحياة الزوجية وامتلائها بالمشاكل والخلافات مما يدفع بالزواج بنفسه إلى هاوية ويهدد بالطلاق، وما يتبعه من آثار مدمرة متماسكة الحلقات تؤدي كل خطوة منها إلى الخطوة التالية ويدفع الشيطان بمن يسلكها إلى نهاية المحتومة حيث لا ينفع الندم.




الخطوة الأولى

النقد القاس هو علامة التحذير المبكر في الزواج المهدد، فالنقد القاسي هو تعبير عن انفعال الغضب بأسلوب هدام وذلك بالهجوم على شخصية الزوج أو الزوجة بدلا من التعبير عن مجرد الاستياء من الموقف المحدد الذي أدى إلى الشعور بالغضب.

فمثلا: إذا كانت الزوجة تستعد منذ الصباح لدعوة على العشاء في بيت أسرتها، تقوم بسلسلة من الاجراءات ، وأخيرا ترتدي ملابسها هي والأولاد في انظار الزوج لاصطحابهم ،يطول انتظارها ولا تأتي في الموعد تشعر بالضيق والقلق، وتتنامى بداخلها مشاعر سلبية اتجاهه وتملئ نفسها بالغضب، وأخيرا عندما يظهر الزوج تبادره بقولها أعرفك جيدا أناني ولا تبالي بالآخرين لاتحاول الدفاع عن نفسك ،كل أعذارك مرفوضة مسبقا، لقد سئمت الحياة معك وسئمت تبريراتك وأعذارك، فإذا حاول أن يشرح لها موقفه ويسترضيها فإنها تقوم وتخلع ملابسها وتأمر الأولاد بالذهاب إلى فراشهم وتقسم بأنها لن تخرج معه، وهكذا يبدأ هو في فقد السيطرة على أعصابه فتستفزه بكلمات جارحة وربما يتطور الموقف إلى مالا تحمد عقباه.

الخطوة الثانية

مهما كانت لحظات التوتر التي يشعر بها الزوجان أحيانا مؤلمة ، فإنها تظل أمرا محتملا وطبيعيا طالما أنها تنتهي بإنتهاء الموقف وينجح الزوجان بعد هدوء حدة الغضب في احتواء الأزمة وتمريرها بسلام وتعود المياه إلى مجاريها.

ولكن الخطورة تأتي عندما يتحيل على الزوجة أن تغفر أو تسامح أو تتجاوز وتتعاطف مع موقف الزوج وتقدر ظروفه ، إنها هنا لاترى الأمور إلا من زويتها فقط وتشعر بأن ما فعله الزوج هو إهانة شديدة لها ، وهذه هي نقطة تحول خطيرة في الحياة الزوجية .


الخطوة الثالثة

تتصاعد الأمور في تجاه سلبي وخطير، وتظل وساوس وهواجس الشيطان تلقي في روع الزوجة بافكار مسمومة اتجاه زوجها حتى إنها طوال الوقت تفكر في أسوأ ما فيه من صفات وتنسى أو تتناسى كل ما فعله من أجلها ، وهذه الحال هي التي أسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم - كفران العشير - حيث تسارع الزوجة عند الخلاف إلى أن تقول له - لم أرى منك خير قط - ، في ظل حالة الترقب والتوتر التي تشحن بها الزوجة جو البيت تترجم كل ما يفعله أو يقوله سلبا والمسائل الصغيرة تتحول إلا معارك كبيرة. ومشاعرها مجروحة دائما وكل مشكلة تصادفها تصبح مشكلة حادة من المستحيل علاجها حتى يبدو التحدث في حل هذه المشكلة بلا جدوى ،ويبدأ كل من الزوجين الإنعزال عن الآخر حياتين متوازيتين، فيضع هو كل همه في العمل ومع الاصدقاء خارج المنزل ،وتستسلم هي لإلقاءات الشيطان التي تتزايد وتهتم ظاهريا ببيتها لتخفي مراحل الهواجس التي تغلي بداخلها، وربما باحة بمعاناتها  لبعض الصديقات فتزيد الموقف إشتعالا وتكون الخطوة التالية غالبا هي الطلاق.

وخلال هذا المسار نحو الطلاق يتبين أن نتائج المأساوية لنفص الكفاءة العاطفية تصبح واضحة بذاتها ، فعندما يقع الزوجان في دورة من النقد وتصبح هي السائدة ، وعمليات الدفاع والصمت والأفكار المزعجة ، فإن هذه الدورة تعكس نفسها في تفسخ الإدراك العاطفي الذاتي ولضبط النفس ولتعاطف والقدرات التي يمكن أن تخفف عن كل طرف من قبل الطرف الآخر ، بل ن نفسه أيضا.
كيف يمكن لزوجة بعاطفتها الذكية أن تبني عشا زوجيا سعيدة ؟

1 - الشكوى الموضوعية :

يحتاج الرجال أن يتعلموا حسن الاستماع لمشاكل الزوجات بإنصات واهتمام وتعاطف، أما الزوجة الذكية فعليها أن تتجنب نقد الزوج بشكل جارح أو الهجوم على شخصه، بل عليها أن تعرض شكواها وأسباب غضبها بموضوعية، ففي موقف الزوجة التي تأخر عليها زوجها والذي عرضناه - في بداية المقال - ليس شعور الزوجة بالغضب هو الخطأ، ولكن الخطأ هو كيفية التعبير عن ذلك، فلو أنها سألته أولا عن سبب تأخيره ثم قالت له : - لقد شعرت بالضيق والقلق لتأخرك وتعب الأولاد من طول الإنتظار، ألم يكن من الممكن أن تكلمنا عن طريق الهاتف لنطمئن عليك أولا، ولنعرف إلى أي مدى ستتأخر، إنك لاتدري كم آلمت مشاعري - فإن الزوج بلا شك سيبادر بالإعتذار فإذا قبلت عذره ووجدته يحاول استرضاءها فلتبادر بأن تمد إليه يدها وكأن شيئا لم يكن طردة أشباح الخراب من عشها السعيد.

2 - تجنب مواطن الحساسية.

لظروف كثيرة متشابكة تكون هناك نقاط حساسة في كل علاقة زوجية كلما فتح الباب لمناقشتها تحول الأمر إلى معركة - مثل طريقة تربية الأطفال، مصروف البيت، الأعمال المنزلية، الزيارات العائلية - وعلى الزوجة الذكية الوصول إلى حل وسط في تلك النقاط ذات الحساسية الخاصة والسير على منهج يرضي فيه الطرفان دون محاولة إثارتها كموضوع للنقاش والتركيز عليها في محاولة عقيمة لإقناع الطرف الأخر، بل عليها التركيز على نقاط الاتفاق والتوافق بينهما.

3 - تجنب الوصول إلى مرحلة الإنفجار.

عندما تزداد حدة المناقشة وقبل أن تصل إلى مرحلة التفجر العنيف، على الطرفين أن يبحثا عن وسيلة لإيقاف ذلك، وهذه النقطة بالذات تشكل أساسا قويا لنجاح الزواج، بل هي جوهر الذكاء العاطفي الذي يشترك الزوجان في رعايته، وذلك بالقدرة على تهدئة النفس وتهدئة الطرف الأخر بالتعاطف والإنصات الجيد، الأمر الذي يرجح حل الخلافات العائلية بفاعلية، وهذا ما يجعل الخلافات الصحية بين الزوجين - معارك حسنة - تسمح بإزدهار العلاقة الزوجية وتتغلب على سلبيات الزواج التي إن تركها الطرفان، ربما تنمو وتهدم بناء الأسرة.

4 - تنقية النفس من الأفكار المسمومة.

تثير حال انفلات الأعصاب، الأفكار السلبية عن الطرف الأخر، وبالتالي تساعد الطرف الغاضب على إصدار أحكام قاسية، لذا فإن إزالة الأفكار المسمومة من النفس تساعد على معالجة هذه الأفكار مباشرة.
فالأفكار العاطفية السلبية التي تشبه القول: - أنا لا أستحق مثل هذه المعاملة - تثير أحاسيس مدمرة تشعر الزوجة أنها ضحية بريئة والتمسك بهذه الأفكار والشعور بالغضب وجرح الكرامة بسببها يعقد الأمور.
ويمكن للزوجة التحرر من قبضة هذه الأفكار المسمومة برصدها بوعي وإدراك، وعدم تصديقها وبذل مجهود متعمد يسترجع فيه العقل شواهد ومواقف وأحاسيس تشكك في صحة هذه الأفكار المسمومة، مثلا كأن توقف الزوجة هذا التفكير في أثناء شعورها بسخونة اللحظة فبدل أن تقول لنفسها: - إنه لم يعد يهتم بي، إنه هكذا دائما أناني... - تتحدى هذه المشاعر و تتذكر عددا من مواقف زوجها الإيجابية التي تعني الإهتمام الشديد بمشاعرها وحقوقها، فإذا ما فعلت ذلك سيتغير تفكيرها ويقول لسان حالها: - حسنا إنه يبدي إهتمامه بي أحيانا، على الرغم مما فعله الآن من مضايقتي وعدم مراعاة شعوري، إلا أنني لا يمكن أن أنسى ما يتحلى به من صفات طيبة وخصال كريمة أو أغفل أنه أب لأولادي وهل لي أن أنكر حبه وحنانه ورعايته لأسرتنا وتعبه من أجلنا ؟ - وهكذا فإن الصيغة الأخيرة بتداعياتها تفتح الباب لإمكانات الوصول إلى حل إجابي للمشكلة، أما الصيغة الأولى فتثير الغضب والشعور بجرح المشاعر.
وأخيرا : فإن أساس الزواج الناجح هو الحب والإحترام، والزوجة التي وهبها الله الفطنة والكياسة وذكاء الوجدان تبني ببراعة عشا زوجيا سعيدا يستمد سعادته واستقراره من نبع الحنان الذي يتفجر في قلبها. 

تعليقات

التنقل السريع